الترجمة الطبية الترجمة الطبية
الترجمة الطبية
11/1/2014
ورجعت سندريلا خدامة من تاني..
محاولة أدبية طبية
بقلم: د. فادي رضوان

كثيراً ما نسمع عن علاجات غريبة للثآليل، ذلك المرض الجلدي الذي شكّل مشكلة من نوعٍ ما لغالبيتنا، في الطفولة على الأخص. الثآليل غير مؤلمة ولا تتسبّب بأيّ مشاكل وظيفية أو حركيّة، مشكلتها الأكبر جمالية. قد يبدو ذلك سخيفاً عندما ننظر بعين الراشد الكبير، الذي نسي هو نفسه لمَ كان موضوع الثؤلول بتلك الأهمية له في صغره.

الموضوع للصغير يتلخّص بثقافة الأقران، فلقد ابتدأ بالخروج من حضن العائلة الدافئ المتسامح الى محيطٍ أكبر وأشرس، يسوده معياران لا يرحمان، التفوّق والاستهزاء (أو التّعيير كما يقول الأطفال)، وكلٌّ منهما له دروبه عند الطّفل فإن لم يستطع أن يكون متفوّقاً في تحصيله الدراسي، فلا بأس، فهو سيحاول أن يتفوّق في أدائه البدني، بالرياضة أو بفرض الهيمنة (الزعرنة) على من هم أضعف جسدياً منه، حتى المتميزين دراسياً منهم قد يخضعون له، وإن لم يكن بيده حيلة في التفوّق البدني فلا مناص أمامه من أن يكون متفوّقاً اجتماعياً (كرنيب) بحيث يستطيع بإمكاناته في التواصل مع الآخرين إما بمقدراته اللغويّة العالية أو بروح النكتة التي يجيدها أو بمهاراته القيادية البارزة أن يسيطر حتى على الأقوياء بدنياً وفي النهاية على المتفوقين دراسياً أيضاً.

أما الاستهزاء فهو عالمٌ خطيرٌ آخر عند الطفل. أكثر ما يخشاه الطفل هو أن يكون موضع استهزاء من أقرانه.. هذه مصيبة المصائب وفاجعة الفواجع عنده، الاستهزاء من أقرانه ستجعله ورقة في مهبّ الرياح، لوح زجاجي مهشم يدوسه رفاقه –كما يعتقد- فنرى الآباء والكبار تعلوهم الحيرة من أشياء يرونها بمنظورهم بسيطة، مثل حرج الأطفال من أن يكون أهاليهم غير أنيقين عند تصادفهم مع رفاقهم أو أن تكون مقدرتهم الماديّة ضعيفة أو حتى من طبيعة عمل الأب غير المتميّزة أو الخارقة. هذا قد يزعج الأهل بشده فنرى الأب يصرخ بعينين محمرتين "شو...خجلان مني يا فصعون" أو الأم وهي تمضغ كلماتها مع عبراتها: "هاي أخر صبري معاك".

يقف الطفل مطأطئاً رأسه ومختنقاً بأنفاسه الحارّة لا يعرف بما يجيب بينما يتلقى سيل السباب والاتهامات، لا يعرف ما يقوله، فليس بإمكان قاموس كلماته الصّغير أن يسعفه ليشرح أنّ الأمر لا علاقة له بهما، إنّه ببساطة يدور حول ذلك المجتمع الصغير الذي لا يرحم، أخاف أن ألقى نفسي منبوذاً كلعبة صدئة لتحاصرني نظرات الاستهزاء والشماتة!

هذا هو موضوع الثؤلول ببساطة عند الطفل، فهذه الكتلة الجلدية المشوّهة والمقززة (من وجهة نظره) والرّابضة على أصبعه اللينة كعود المسك قد تشكل تهديداً لتفوّقه أو قد تجعله عرضة للاستهزاء والنفور. ها هو الطّفل يحاول جاهداً إخفاء أصابعه عن أصدقائه فيدسّ كفّه في جيبه تارةً ويخفيها خلف ظهره تارةً أخرى. وينفس عن غضبه عند انفراده بنفسه بالثؤلل اللعين حاكاً إياه بالحائط أو محاولاً اجتثاثه بأسنانه.. لكن هذا لن يزيد الأمر إلا سوءاً ليصبح الثؤلول أبشع منظراً ودامياً على الدوام ولا يجد الطفل المسكين مناصاً في آخر الأمر من أن يتوسّل والديه عساهما يجدان حلاً ما.

الثؤلول ورم جلدي حميد يحدث تحت تأثير فيروس، وهناك قصّة غريبة للثؤلول، فهو يستجيب بشكلٍ عجيب على المعالجة بالإيحاء. جميع الأمراض تستجيب بدرجات متفاوتة على الإيحاء، جميعها دون استثناء، لأنّ الدّفاع الأهم ضدّ المرض يكون عبر خلايا مناعية تتأثر كثيراً بالحالة النفسية التي تخضع مباشرةً أو غير مباشرة للإيحاءات من المحيط. سمعنا كلنا عن علاجات غريبة لعلاج الثآليل مثل حكاية العدسة التي توضع على الثؤلول وتربط بلاصق أزرق (لا أعرف لمَ الأزرق وماذا لو كان اللاصق أخضراً؟!) مدة أربع وعشرين ساعة، أو وضع مخ دجاجة على الثؤلول، أو وضع حصاة عليه ورمي الحصاة في بئر غويط في ليلة مقمرة! والدوران حول البئر سبع مرات (الرقم سبعة السحري، انتبه!). جميع هذه الطرق لها طقوسها السحرية يتلقاها الطفل بانتباه ودهشة وتصديق وهنا تكمن قوة الإيحاء، طقسٌ سحري لا يحتمل الإجابات العقلية بلماذا أو كيف أو متى، هل يعرف أحد لماذا يتوجب على سندريلا أن تغادر الحفل الملكي في الساعة الثانية عشرة وليس الواحدة؟! هو سحرٌ لا يملك إجابات لا يملك سوى التصديق والخنوع. جميع تلك الطرق فعالة حقاً، بشرط مهارة إيصال الإيحاء للطّفل، وباقتناعه بأنّ تلك الطّريقة لها أثرها السّحريّ على الثؤلول، وإلا.. عادت سندريلا شغالة من تاني...

روى أحد أساتذتنا في الجامعة علينا أحد أطرف القصص عن معالجة الثؤلول، قائلاً هل تعرفون أنّه لم يدخل عليّ طفل مصاب به إلا وشفي!!
فتعالت الهمسات في القاعة: معقول.. كيف.. لماذا.. بينما اكتفى آخرون بالتحديق بدهشة ناحية الأستاذ.

استدرك الأستاذ قائلاً: الطّريقة بسيطة، عندما يدخل علي طفل أحضر قطارة فيها ماء من الحنفية وأخبره أن تلك القطّارة فيها الدواء السّحري المستخلص من صبار الصحراء الكبرى، وأضع على الثؤلول سبع نقاط (السبعة السحرية من جديد!) بعدها أخبر الطفل، بعد تنبيه والديه بغمزة تشير لعدم التعليق، أني سأضطرّ لقطع إصبعه بعد أسبوع إن بقي الثؤلل!!

لم يضطر الأستاذ طبعاً لقطع إصبع أيّ طفل.

ماذا لو عرف الطفل أنّ الأمر برمته ليس أكثر من لعبة.. حتماً ستعود سندريلا شغالة من تاني، بعد أن يبطل السّحر!!
كثيراً ما يخطر ببالي هل كانت سندريلا حزينة بعدما رجعت لخدمة زوج أبيها وابنتيها، أم كانت تغمرها فكرة أنها في اليوم الثاني سترجع لركوب عربتها الذّهبية ولبس حذائها الزجاجي لتعود لحفلتها الملكية؟ هل زواجها من الأمير أغلى بكثير من تلك السويعات السّحرية؟ّ



عندما كبرنا عرفنا أن القمر ليس أكثر من كومة من الرمال والصّخور الخالية من الحياة لا عالم سحري يملؤه الضياء وتسكنه مخلوقات بجناحين. صحيح أننا تسلحنا بالمعرفة، لكننا خسرنا سنوات سحرية لن تعود.

د. فادي رضوان
تابعنا على
Follow us
 
Developed By
تصميم وتطوير