الترجمة الطبية الترجمة الطبية
الترجمة الطبية
27/1/2014
حُدوثُ الأمراض، هل يقف وراءَه الوراثةُ أم البيئَة؟
د. حسان أحمد قمحية
يَرى بعضُ الباحثين والعلماء أنَّ الأمراضَ الرئيسيَّة ـ من أمراض القلب إلى السكَّري فالسرطان ـ ناجمةٌ عن الوراثة، بينما يرى آخرون أنَّها بسَبب البيئة أو المُحيط الذي يعيشه الإنسان وما يتعرَّض له من تجارب وضغوط. ولكن، هناك نظرةٌ أخرى ربَّما تكون هي الأكثر دقَّة ومنطقيَّة، وقد تراءت بفعل المكتشَفات الجديدة، وهي النظريّةُ القائلة بأنَّ تلك الأمراضَ الرئيسيَّة ناجمةٌ عن التآزر بين الجينات السيِّئة وأسلوب الحياة الرَّديء في فترة الرشد بشكل خاص (الإكثار من الملح والطعام الدهني، مع قلَّة التمرين مثلاً)، وربَّما قبل ذلك. ولكن، في الواقع، هناك عاملُ خطرٍ ثالثٌ لا نفكّر فيه كثيراً: وهو تجارب الفرد في الرحم؛ فأبحاثُ المناشئ الجنينية ترى أنَّ أسلوب الحياة الذي يؤثِّر في ظهور المرض ليس الأسلوبَ الذي نتَّبعه غالباً كبالغين فحسب، بل الأسلوب الذي تمارسه أمَّهاتنا عندما يكنَّ حوامل بنا أيضاً.
ولكن، هناك اعتقادٌ أخير شكَّكت فيه الأبحاث الجديدة، وهو ملاحظة أنَّ الجنين يكون محصَّناً بأمان في الرحم، ومَحمياً من جميع أشكال الملوِّثات والسُّموم بواسطة المشيمة المتيقِّظة دائماً. غير أنَّنا، في الحقيقة، نحن نتعلَّم أنَّ الجنينَ يسكن العالمَ نفسه الذي يسكنه البالغون ـ عالم من الكحول والسجائر والهواء والماء الملوَّثين والمواد الكيميائيَّة التي لم تثبت سلامتُها بالاختبارات؛ فالحجمُ الصغير للجنين ونقص نضجه وتخلُّقه، فضلاً عن قابليَّة أجهزة الدفاع من حوله للاختراق من قِبل أمِّه، كلُّ ذلك يعني أنَّ الأفرادَ أكثر عُرضةً للسُّموم البيئية خلال المرحلة قبل الولادة من أيِّ وقت آخر في حياتهم. وهذا هو جزء من تأثير البيئة أو المحيط، ولكن في فترة باكرة جداً من الحياة.
لقد كانت هذه المواقفُ الشائعة جداً بعيدة عن النقد، من الناحية النظرية على الأقل، وقد قادت إلى كارثتين من أكبر الكوارث الطبِّية في التاريخ: وهما المآسي التي تسبّب بها الثاليدوميد thalidomide وثنائي إيثيل ستيلبيسترول diethylstilbestrol (DES)، فقد كان هذان الدواءان يُعطيان للنساء الحوامل على أساس أنَّ الجنين لن يتأثَّر، في حين أنَّ الكثير من أفراد الذرِّية أُصيبوا بتشوُّهات شديدة أو سرطانات عدوانيَّة نتيجة لهذا التعرُّض الدوائي. ومع ذلك، لم تختفِ هذه المواقف تماماً، فهي - على سبيل المثال - باقية في ردود الفعل المتلكّئة من قِبل السلطات الصحِّية تجاه التهديد الراهن الواقع على الأجنَّة من قِبل مجموعة من المواد الكيميائيَّة التي تُدعى المعرقِلات الغدِّية الصمَّاوية endocrine disruptors، وهي توجد في المُنْتَجات البلاستيكيَّة وفي منتجاتٍ أخرى شائعة الاستعمال.
تابعنا على
Follow us
 
Developed By
تصميم وتطوير